التأهيل المهني للأطفال، حكاية نجاح تبدأ من الشارع!

التأهيل المهني للأطفال، حكاية نجاح تبدأ من الشارع!

- ‎فيمتفرقات

” لا تُعطِه قطعةَ حلوى، علّمْه كيف يصنعها”.ا

 

التأهيل المهني للأطفال، حكاية نجاح تبدأ من الشارع!

هناك، على قارعة الطريق وعلى عتبات الأرصفة في شوارع كثيرة في العالم العربي عموماً وفي لبنان خصوصاً، عند الإشارات الحمراء، ستمرّون بهم، وتجدونهم، سواء أكان الطقس مشمساً حارّاً أم ماطراً عاصفاً. أطفالٌ صغار، مختلفو الأشكال والأعمار والأحجام، حلّت بهم لعنة الحرب في سوريا، فوجدوا أنفسهم يستجدون ليرة أو دولاراً في لبنان من السائقين والمارّة، يبيعون العلكة أو الورد أو المناديل الورقية، كي يعيلوا أنفسهم ويتّقوا شرّ حياة قاسية لا ترحم، وغالباً ما يُقابَلون بإغلاق نوافذ السيارات أو بالتهميش أو الإهانات، وفي أحسن الأحوال، ببضع ليرات أو حفنة من السكاكر … لكن، في المقابل، واقعٌ آخر يرتسم: منظمات دولية وجمعيات محلية تعمل على احتواء الطفل وحمايته ومنحه حقّه في العيش اللائق، ولتجعل منه شخصاً منتجاً في المجتمع.

على رصيف الورود الذابلة
حمل (س)* أخاه الصغير وغادر مع أمه وجدّته (والدة أبيه) إلى لبنان. كان ذلك في عام 2014. لقد قررّوا النزوح بعيداً بعد أن قتلت رصاصة قناص والدهما في سوريا واستحال بيتهم في حمص ركاماً وتراباً. كلّ ما كان يعرفه ابن الرابعة عشرة، آنذاك، أنّ في لبنان شخصاً تعرفه جدّته قد يساعدهم ويأويهم. لا يحب (س) أن يستعيد تلك المرحلة الصعبة أو أن يقلّب ذكرياتها في ذهنه. يكتفي بذكر بداياته مع أخيه الصغير، ابن العاشرة، كبائعَين للورود على إشارات المرور في بيروت، وذلك بعد أن فشلت أمه وجدّته في تحصيل ثمن قوتهم اليومي وإيجار البيت الصغير الذي لجأوا إليه.
كان (س) يخرج مع أخيه في الصباح الباكر ولا يعودان إلى المنزل إلّا عند حلول الليل. حالهما كحال الورود التي يعيدونها معهما، ذابلة، مهترئة، بعد يوم طويل من التسوّل، يحملان في جيبهما مبلغاً زهيداً من المال حصلا عليه من المارّة يسدّ الرمق ولو قليلاً.
عامان مرّا على هذا الحال، اسمَرّ فيهما وجها الفتى وأخيه ونحل جسداهما ونهش البرد والقيظ هيئتيهما. إلى أن جاء يوم بدا بائساً كسائر الأيام، كان يقضي فيه (س) وقته كالعادة بين رصيف الشارع وضفاف الذكريات والحنين، وإذ به يصادف شاباً حسن المظهر، لائق الكلام، يعرَّفه عن نفسه قائلاً بأنه يعمل في منظمة ستساعده، وتقدّم له عملاً. توجّس (س) ريبةً لكنه استسلم لوعود الشاب وساقته الأقدار إلى وجهةٍ جديدة.
انقلبت حياة (س) رأساً على عقب. لقد أصبح أحد المستفيدين من التأهيل المهني للأطفال، يتدرّب ست ساعات يومياً على مهنة جديدة في محل حلويات، على يد “المعلّم” ويقبض معاشاً جيّداً دون أن ينهار من التعب والإعياء، أو أن يتعرّض للأهوال والمخاطر. بات (س) ينطلق كل يوم لعمله مفعماً بالنشاط والحيوية وقد استعاد بعضاً من الأمل الذي فقده بعد أن خُطِبَت والدته لرجل سوري غريب لا يعرفه وقرّرت أن تنتقل للعيش مع هذا الرجل في سوريا وتترك ابنيها مع جدّتهما بما أنّ زوجها غير قادر على إعالة الطفلين وإيواءهما في منزله. قاسى (س) الأمرّين من هذا التحوّل في حياته، لكنه أصرّ على اعتباره نوعاً من أنواع التحدّي ومواجهته، لا سيّما أنه كان يدرك أنّ أمّه تسعى للزواج من أجل تحصيل المال لا بهدف الابتعاد عن ولديها. أراد (س) أن يثبت لأمّه أنه قادر على إعالة العائلة رغم صغر سنه لتعدل عن قرارها، لكنها لم تفعل.

التأهيل المهني للأطفال … تفاصيل لا تُروى عادةً
تجهد منظمات وجمعيات عديدة، من بينها لجنة الإنقاذ الدولية وجمعية إنقاذ الطفل وسواهما، لتأهيل هؤلاء الأطفال مهنياً ضمن برامج تتواءم مع مقتضيات القانون وحاجات الأطفال النفسية والمادية، وتركّز على إشراك الأطفال في نشاطات توفّر لهم الدعم النفسي والاجتماعي. أمّا التأهيل المهني، فيقتصر كما في حالة (س)، على ثلاثة أيام في الأسبوع لمدّة ست ساعات يومياً يتخللها ساعة استراحة، فيتعلّم الطفل مهنة بسيطة لا ترهقه، كالعمل في محلات الحلويات أوالحلاقة أو الورود أو المخابز… وذلك بالاتفاق بين المنظمة أو الجمعية وصاحب العمل. يستغرق التدريب مدّة أربعة أشهر، على أن يباشر الطفل العمل الفعلي عند صاحب المحل في حال تعلّم المهنة، وأن يتقاضى نفس المبلغ الذي كان يناله من المنظمة أو الجمعية خلال فترة التدريب. وتهتم المنظمة أو الجمعية المشرفة على هذا النوع من البرامج بمراقبة الحالة النفسية للطفل أثناء التدريب المهني وتتأكد من عدم تعرّضه للتحرش أو لاعتداءات جنسية أو أي مخاطر أخرى. إنّ هذه البرامج المخصّصة لمساعدة الأطفال لا تعنى فقط بالسوريين منهم فقط بل تشمل اللبنانيين أيضاً.
لقد استطاعت هذه المنظمات والجمعيات، ببرامجها المؤهِّلة مهنياً للأطفال، أن تستوعب شرائح كبيرة منهم وتبعدهم عن الشارع بشكل تام كما في حالة (س) الذي استمرّ في تعلّم صنع الحلويات الغربية والشرقية ليصبح “أمهر من معلّمه” كما يشير الزبائن على سبيل المزاح، فيما تواصل المنظمة التي أشرفت على تدريبه الاعتناء به نفسياً ومهنياً بما يتوافق والأنظمة والقوانين المحلية والدولية، والتي تقضي، عملياً، على سبيل المثال لا الحصر، بعدم عمل الطفل ما بين الساعة السابعة مساءً والسابعة صباحاً، وعدم تعرّضه للشمس أو للبرد …

القانون يقول كلمته
تدخل عمالة الأطفال في صلب الاهتمامات الدولية وبرامج الحكومات والمنظمات غير الحكومية، ويسعى المجتمع الدولي جاهداً لوضع معايير تتوافق مع صحة الطفل وتحميه من ممارسة الأعمال المجهدة. وقد تناولت عدّة نصوص واتفاقيات دولية وإقليمية مسألة عمالة الأطفال، عدا عن البرامج الأممية المتعلّقة بحماية الأطفال من أي استغلال إقتصادي أو إجتماعي.
عرّفت اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 الطفل بأنه “كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة ما لم يبلغ الرشد قبل ذلك بموجب القانون المنطبق عليه”. وشدّدت على ضرورة السعي لحماية الطفل من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجّح أن يكون خطراً عليه أو يؤثّر سلباً على تعليمه أو صحته أو نموّه البدني أو العقلي أو الروحي أو المعنوي أو الإجتماعي. كما نصّت الاتفاقية عينها على ضرورة أن تتخذ الدول الأطراف فيها التدابير التشريعية والإدارية والاجتماعية والتربوية التي تكفل هذه الحماية، وبشكل خاص، وضع حدّ أدنى لسنّ الالتحاق بالعمل ونظام ملائم لساعات العمل وظروفه، وفرض عقوبات مناسبة لضمان فعالية تطبيق هذه النصوص. والتدريب المهني هو ليس بالعمالة بل هو يسمح للطفل بأن يثبت نفسه من خلال تعليمه مهنة خفيفة يحدّدها القانون.
لبنان منضم إلى اتفاقية حقوق الطفل وبالتالي فإنّ قوانينه تتناسب مع القانون الدولي الذي يسمو بطبيعته على القوانين الوطنية. في هذا الإطار، أنشئت عام 2010 لجنة توجيهية وطنية حول عمالة الأطفال فوضعت خطة عمل وطنية عام 2012 لإنهاء أسوأ أشكال عمالة الأطفال بحلول عام 2016. ويقضي واقع الحال المتأثر بالحرب في سوريا أن تُحدَّث الخطة بشكل مستمر بناءً على تقييم دائم يُجرى في جميع أنحاء البلاد. كما أنّ قانون العمل اللبناني الصادر عام 1946 يسمح بأعمال خفيفة جداً يقوم بها الطفل لدى بلوغه سن الثالثة عشرة، بحيث يُسمح للطفل أن يتدرّب عليها، أمّا في عمر الخامسة عشرة فما فوق، فيتّسع مجال الأعمال التي يمكن للطفل تعلّمها دون أن تشمل مثلاً المشاريع الصناعية والأعمال المرهقة، كأعمال البناء والكهرباء والغاز والصرف الصحي والنفايات والميكانيك والحدادة والزراعة بواسطة الآليات الثقيلة والدفن والتعرّض أو التعامل مع المواد المسرطنة أو المبيدات الحشرية أو المواد التي قد تسبّب عقماً أو عيباً خلقيّاً، في حين يسمح للطفل الذي بلغ السادسة عشرة القيام بأعمال محدّدة جداً من الأعمال الخطرة مع حماية وتوجيه وتدريب وذلك بحسب المرسوم 8987 لعام 2012.

الأثر النفسي للتدريب المهني للطفل
تقول خرّيجة كلية التربية – قسم الإرشاد النفسي في جامعة دمشق روان إسماعيل إنّ التدريب المهني للأطفال ضمن برامج محدّدة وموجّهة هو أمر صعب ويحتاج إلى مراقبة وجهود مكثفة من المنظمات أو الجمعيات المعنيّة، بالتضافر مع الدولة المضيفة التي تعمل هذه المنظمات والجمعيات على أراضيها. لكن، في حال تحقّقه بحالته المثاليّة، فإنّ هذا النوع من التدريب يجعل من الطفل مندفعاً لتقديم الأفضل دوماً، خصوصاً إذا ما دخل في منافسة بين أقرانه، وهو يحسّن صحته النفسية لأنه يشعر بالقوة وبدوره في المجتمع، كونه يتحوّل من شخص يستجدي المال ويبحث عن الهبات، لشخص قادر على العطاء ضمن إمكانياته ويسعى لتقديم الأفضل. إلّا أنه يُخشى دوماً من حدوث ردّات فعل عكسيّة ومخالفة تماماً للنتيجة المثلى في حال لم يُضبط التدريب المهني بما يكفل حقوق الطفل ويجعله عرضة لمواقف حساسة. وتؤكد روان، في هذا السياق، أنّ الطفل في عمر الرابعة عشرة فما فوق يبدأ بتكوين شخصيته وهو عمر حساس يستدعي التعامل معه بتروٍّ واحتواء، وعلى الناس ألا يتعاملوا مع الأطفال في الشارع بطريقة فجّة وفوقيّة لأنّ هذا سيؤذي نفسيتهم ويخلق لديهم ردّات فعل عدوانيّة، وبنفس الوقت ليس عليهم أن يعطوهم نقوداً لقاء لا شيء، بل يجب أن يعوّدوهم على الشراء منهم بينما يتّصلون بالخط الساخن للمنظمات أو الجمعيات التي تُعنى بالأطفال للإخبار عن وضع الأطفال كي يساعدهم أهل الاختصاص.

حلويات لذيذة بنكهة النجاح
نظرتُ إلى (س) وهو يضيّفني قطعة حلوى لذيذة صنعها بيديه. نحن في المحل الذي بات يتولّى إدارته بشكل كامل. ابتسمتُ لهذا الشاب الذي كان مجرّد بائع ورود في عمر الرابعة عشرة وتحوّل لـ”معلّم حلويات” على مشارف العشرين. سألته: هل وجدت نفسك حقاً بين أطباق الحلويات تلك؟
أجابني إنّ هذه الأطباق هي من وجدته، هو لم يبحث عنها، فالقدر رسمها له على هيئة منظمة وموظفين سعوا لتدريبه في محل للحلويات ليتعلّم المهنة بسرعة، وليضاهي “المعلّمين الأصليين”.
(س) اليوم يعيل عائلته، ورغم حاله المادية المتوسطة، إلّا أنه سعيد بقضاء الله وقدره، وفرحٌ أنّ أخاه الصغير عاد إلى مقاعد الدراسة. (س) لا يعرف سوى “أن يفكّ الخط” كما يقول، لأنه لم يكمل تعليمه، لكن، بنظره أنّ الحياة والعمل يعلّمان أكثر من المدرسة، إلّا أنه سيرجع يوماً للقلم والدفتر حسبما يعدُ نفسه. تذوقتُ الحلوى وأنا أنظر إليه وهو يبتسم ويعود لمتابعة العمل وينهمك في حديث مع الزبائن، بلباسه الأنيق النظيف ويديه الماهرتين. ولو لم أعرف قصته لما صدّقتُ أنه كان يوماً من روّاد الشوارع الصغار البائسين الذين أفرزتهم الحرب القذرة، يرتدي حذاءً رديء الصنع ويلبس ثياباً رثّة مهترئة. هو ابن المستقبل الآن، يجدّ ويعمل ويفخر بصنع قوالب “الجاتوه” الجميلة، والكنافة الشهيّة. يصوّرها بجوّاله الصغير ويرسل الصور إلى زملائه قائلاً لهم بتسجيل صوتي: “شوفوا الولد اللي ما كان عاجبكن شو بيعمل” ويضحك.
* التزاماً بضرورات حماية خصوصية الأطفال وحفاظاً على سلامتهم، اعتمدنا عدم الإفصاح عن هوياتهم أو ذكر اسمائهم كاملةً مكتفين بالدلالة عليهم من خلال الحرف الأوّل من اسمهم.
كتبه: الصحفي جوان ملا .

‎إضافة تعليق

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

خبيرة التجميل مايا قواس تولي اهتمام خاص للموسيقى

إلى جانب هيامها بالحيوانات، تولي خبيرة التجميل مايا